الكتاب : النظرية العمرانية في العبر
الخلدونية
المؤلف : طارق والي
تاريخ النشر : 1995
إن واقعنا اليوم يشهد الكثير من التحولات
الانسانية على كافة المستويات المحلية والقومية والعالمية مما يجعلها جديرة بأن
تجعل من تلك الايام نقطة تحول في تاريخ الانسانية ..
مرحلة زاخرة بالتغيرات التي تتنوع بين مجتمعات
تسعى لتنهض من سبات طويل ودول تصارع من أجل الحفاظ على وجودها وأخرى تشق طريقها في
صمت نحو إعتلاء قمة الحضارة الانسانية .. الأمر الذي يفرض علينا ابناء هذا الجيل ،
الكثير من الاشكاليات الفكرية والحضارية مما يجعل شحذ طاقات الماضي والحاضر لتخطي
تلك الاشكاليات امرا حتميا .. وإنطلاقا من إيماني أن الخطوة الاولى على طريق
نهضة مجتمعاتنا العربية هو النهوض بالفكر العربي ، ومن قناعتي بدور التواصل بين
الماضي والحاضر في تحديد ملامح المستقبل جائت قراءتي لكتاب " النظرية
العمرانية في العبر الخلدونية " ، كخطوة على طريق مواجهة إشكالية الأصالة والمعاصرة أو القديم والجديد ومحاولة
لإبداء الإمتنان و للتواصل مع أجيال سبقتنا في تكريس طاقاتها الفكرية من اجل تحقيق
الحلم العربي في إستعادة مكانتنا وإستكمال دورنا الحضاري في مسيرة الانسانية .
لعل
من اهم الاشكاليات المطروحة على ساحة الفكر الاجتماعي والعمراني المعاصر هي
اشكالية الهوية..
و ذلك لأن العمران هو مرآة المجتمع ، والعمارة
بل والعمران بأكمله في علاقة تأثير وتأثر بصورة تبادلية عميقة مع المجتمع الذي
يولد من أجله ويعيش داخله .. ينشأ في
الاصل بناءا على احتياجات المجتمع ومتطلباته المادية والفكرية والمعنوية .. ويعبر في مضمونه عن ثقافته
وتطلعاته وأحلامه .. ويتأثر في نتاجه بمشاكله وآلامه وأحزانه ..
والعمران كيان غير قابل للرؤية خارج اطار
مجتمعه فهو يستمد منه كبرياؤه ويهوى ويضعف بضعف موطنه ...
يزداد قوة وانسجاما عند وحدته ويتفتت
بعشوائية عند تجزئته ..
يحمل في ثناياه مبادئ وقيم مجتمعه ويتحلى في
ظاهره بسمات ولون وعبق الارض التي يولد ويعيش عليها ..
واذا كان المجتمع هو تلك التربة التي تأوي بذور
العمران حتى تنبت ، وتؤثر خصوبتها في قوة
هذا العمران ، ويؤدي غناها واصالتها الى
نضرة اوراقه وتشعب اغصانه .. فان جذور هذا العمران ومركزثقل الصلة بينه وبين
المجتمع هي هويته ..
ولان تلك
الجذور تعيش دائما في اعماق المجتمع فانها تتلون بلونه فتجدها تدور في فلك نفس
مبادئ المجتمع وتحمل ذات الرسالة التي تتناقل عبر اجيال المجتمع المتتابعة ..
وبالتالي فانها تعاني من نفس ارتباكاته وتواجه كل اشكالياته ..
ولعل في تلك العلاقة الوثيقة بين هوية
العمارة والعمران وهوية المجتمع ما يفسر
التشوه الواضح لهوية عمراننا المعاصر ويوضح في ذات الوقت لماذا فقدت معالم عمارتنا
المعاصرة هويتها ..
فهوية العمران العربي تعاني – تماما
كمجتمعنا – من فقدان الوعي بمعنى الهوية وضبابية الرؤية الكلية للماضي والحاضر
والمستقبل ، وتئن من التخبط في تيه اشكاليات الاصالة والمعاصرة ، المحلية والعولمة
، الوحدة والتجزئة ، الظاهر والباطن ، المادية والانسانية ... وغيرها الكثير الذي
يعاني منه مجتمعنا العربي ..
سؤال يطرح نفسه دائما بصورة اشكالية في
مجتمعنا العربي .
و ترجع
اشكالية السؤال والاجابة غالبا لاسباب عدة ، اهمها هو اختلافنا حول تعريفنا للتراث و تقديرنا لقيمته وأهمية ارتباطه
بواقعنا المعاصر، وكذلك طرح التمسك به والارتكاز عليه في موقف المتناقض مع التجديد
والتحديث ، او النظر اليه على انه رجوع
بالزمن الى الوراء وعقبة في طريق التقدم والنهضة ..
والمفكر المغربي : محمد عابد الجابري (1936-2010 ) واحد من مفكرينا العرب الذين ناقشوا مسألة
التراث ودوره في حياتنا , وعلاقته بالحداثة والمعاصرة . وارسى قواعد رؤية شاملة للتعامل مع التراث
بصورة عامة ومع النصوص التراثية بصفة خاصة .
والجابري ، استاذ الفلسفة والفكر العربي
الاسلامي ، تمحورت مسيرته البحثية والفكرية حول اشكاليات الفكر العربي المعاصر ومن
اهمها اشكالية الاجابة على سؤال : كيف نتعامل مع التراث ؟ وجاءت رؤيته لتلك الاجابة ترسم نظرية خاصة في التعامل مع النصوص التراثية
ومنهجية في فهم تلك النصوص وتحليلها وربطها بالتاريخ وفي الوقت نفسه وصلها بالحاضر
، من اجل احياء التراث بالصورة التي تحوله الى " تراث نحتويه بدلا من ان
يحتوينا " ..
" تتجمع
الكلمات
حول
اسم
سرى
كالنبض
فى
شريانهم
عشرين
عاماً
كان
الملاذ
لهم
من
الليل
البهيم
و
كان
تعويذ
السقيم
و
كان
حلم
مضاجع
المرضى
و
أغنية
المسافر
فى
الظلام
و
كان
مفتاح
المدينة
للفقير
،
يذوده
حرس
المدينة
عن
حماها
و
كان
موسم
نيلها
،
يأتى
فينثر
ألف
خيط
من
خيوط
الخصب
تورق
فى
رباها
و
كان
من
يحلو
بذكر
فعاله
فى
كل
ليلة
للمرهقين
النائمين
بنصف
ثوب
،
نصف
بطن
سمر
المودة
و
التغنى
و
التمنى
و
الكلام
.. "[i]
كلمات نبعت من قلب شاعر مصري هو صلاح عبد الصبور ، يحكي عن
الفارس الذي اختلفت حول اخفاقاته حوارات النخبة واجتمعت على محبته قلوب ملايين
المستضعفين في كل بقاع الارض ..
يحكي عن الرجل الحلم الذي عاش محلقا بعزة وطنه في عنان
السماء ، ورحل عن دنيانا تاركا خلفه الأغنية التي لايزال يتردد
صداها على شفاة البسطاء لتكون هي وملامح وجهه الاسمر بمثابة السلوى لهم في انتظار الغد الذي لم يأت
بعد ..
يحكي عن الراحل
الحاضر : جمال عبد الناصر ..
" التاريخ لا تصنعه الصدف ولا مكائد الاستعمار ولكن ما تصنعه الشعوب ذاتها في اوطانها .."
ميلاد
يحرر الوطن العربي من أغلاله و ينهض بالمجتمع من سباته الطويل ..
ميلاد
يمحي مرارة الغربة داخل حدود الوطن والاغتراب خارجها ..
ميلاد
يعيد للأفراد كرامتها وللأوطان أمجادها ..
ميلاد
لن يصنعه إلا الشعوب المؤمنة بقدرتها على الفعل وبقدرة هذا الفعل على صناعة
التاريخ ..
ميلاد
مجتمع هو بعضاً من رؤيا حالمة للمجتمع العربي كما يجب أن يكون
، جمعت في ثناياها بين استقراء صاحبها لتاريخ وطنه الكبير ودراسة حاضره .
بين رسم صورة مستقبلية لآمال هذا الوطن وطموحاته
وبين تأمل إشكالياته وفهم معوقات تحقيق
تلك الآمال ..
بين لمس أسباب ضعف الوطن وتمزقه وبين رؤية موطن قوته وآليات نهضته ..
صاحب
الرؤية والحلم هو : مالك بن نبي
ذلك الصراع الذي يدور اساسا حول اشكالية وهمية توحي لكل فرد
انه امام اختيار محوري ستدور حوله دنياه وآخرته ، ويوهم الكثيرين انه امام اختيار بين
نقيضين سيبدل ترجيح كفة اي منهما على الاخر وجه الحياة في بلادنا .. وانه باختياره
ذلك سوف يفصل الى الابد في اشكالية الاصالة والمعاصرة التي تجمد امام الفصل فيها
مجتمعنا العربي منذ قرون .. الا أن الأمر بأكمله اشبه بتعدد
لمسميات مضمون واحد .. وقد تؤدي بنا في
النهاية جميعها إلى نتيجة واحدة ..
إن المشهد المتكرر لكل تلك الهزائم والاحباطات المتلاحقة التي تصيب هذا
الوطن يوما تلو الآخر يصر أن يطرح نفسه سؤالا عصيا على عقلنا الحائر أن يجيبه ؟؟
من المسئول عن تلك الهزائم ؟؟
من المسئول عن ذلك الصراع الذي يدور اليوم في كل ميدان من ميادين مصر بل وفي
كل شارع و في كل بيت ؟؟
من المسئول عن استبدال صوت
الجماهير المنادية بالحرية والكرامة بصراخ لشيع متفرقة لا هدف لها سوى مناصرة أشخاص ولو كانوا على الباطل وتسفيه آخرين
ولو كانوا على الحق ؟؟
من المسئول عن إسالة كل تلك الدماء على الأرض واستبدال ما تبقى في عروق الأحياء
بأنهار من الانانية وحب الذات ؟؟
من المسئول عن حالة الارتباك والبلبلة التي أصابتنا عقولنا جميعا فأفقدت
الكبير توازنه قبل الصغير ؟؟
من المسئول عن انقلاب الموازين وتحول الأهداف الكبرى التي جمعتنا يوما إلى مجرد تفاصيل ..
آلاف من التفاصيل نتجادل حول ملكيتها وحكمها الفقهي في الطرقات ؟؟
من المسئول عن تشويه بصيرتنا الجماعية وتشويه رؤيتنا للواقع الذي نحياه
ولأولويات توجهاتنا كدولة ومجتمع ليصبح صوت الصراع أعلى من صوت العقل ، وصياغة
مواد للدستور أهم من توفير الخبز للفقراء ، والدفاع عن الحزب و الجماعة أولى من
الدفاع عن الأرض والوطن ؟؟
من المسئول عن تلك الهزائم ؟؟
تأملات حول
" فلسفة الثورة "
قراءة في :
" كتاب فلسفة الثورة " و " مشروع الميثاق" للزعيم الراحل :
جمال عبد الناصر
"
إن الحلول الحقيقية لمشاكل أى شعب لا يمكن استيرادها من تجارب شعوب غيره ، ولا
تملك أى حركة شعبية فى تصديها لمسئولية العمل الاجتماعى أن تستغنى عن التجربة.
ولابد للتجربة الوطنية الحقيقية ألا تفترض مقدماً خطأ جميع النظريات السابقة عليها
، أو تقطع برفض الحلول التى توصل إليها غيرها؛ فإن ذلك تعصب لا تقدر أن تتحمل
تبعاته . خصوصاً وأن إرادة التغيير
الاجتماعى فى بداية ممارستها لمسئولياتها تجتاز فترة أشبه بالمراهقة الفكرية؛
تحتاج خلالها إلى كل زاد فكرى، لكنها فى حاجة إلى أن تهضم كل زاد تحصل عليه ، وأن
تمزجه بالعصارات الناتجة من خلاياها الحية ومن تجربتها
المعاصرة
(1)"
استوقفتني
كثيرا تلك الكلمات وأنا في بداية رحلة البحث عن إجابة للسؤال الأهم والذي صار محور
حاضرنا : كيف نحقق التغيير الذي نريد ؟؟
استوقفتني
تلك الكلمات لأنها تفتح أمام عقلي الحائر أبواب تجارب كثيرة قد يكمن خلف أي منها
مفتاح الإجابة على أسئلة مجتمعنا الباحث عن التغيير .. واستوقفتني لأنها لمست برفق
ما نشعر به اليوم من ارتباك وحيرة وتردد ، ولأنها واجهتني بأن طريق التغيير لابد وأن
يبدأ من داخل أنفسنا .. لابد لكل منا أن يبحث عن حلول مشكلاته في أعماق ذاته .. وأن
يتزود مجتمعنا بقبس من تجارب الماضي وما أكثرها لعلها تنير له طريقاً إلى الغد
الذي يسعى إليه ..
إذا كان فساد النظم السياسية التي انتفض الوطن العربي من مشارقه إلى مغاربه لمقاومتها وإسقاطها هو المسئول عن تردي أحوال مجتمعاتنا اقتصاديا وتراجعها فكريا ، لماذا خضع المجتمع العربي لهذا الفساد عقودا طويلة ورضي بدور المفعول به بدلا من دور الفاعل ؟؟
لماذا اصبحنا نعيش على هامش الحياة بدلا من أن نقاتل من أجل كرامتنا وأحلامنا ؟؟
لماذا تغيرت رؤيتنا للقيم التي طالما رسمت معالم حضارتنا فأصبحنا نرى الحرية فوضى ، والشجاعة تهور ، والجبن حكمة وتعقل ، ما الذي قد جعلنا قد ألفنا الأدب مع الكبير ولو داس رقابنا ، وألفنا الثبات ثبات الأوتاد تحت المطارق ، وألفنا الانقياد ولو إلى المهالك ، وألفنا أن نعتبر التصاغر أدبا ، والتذلل لطفا ، والتملق فصاحة ، وترك الحقوق سماحة ، وقبول الاهانة تواضعا ، والرضى بالظلم طاعة ، ودعوة الاستحقاق غرورا ، والبحث في العموميات ( المصالح العامة ) فضولا ، ومد النظر إلى الغد أملا طويلا ، والإقدام تهورا ، وحرية القول وقاحة ، وحرية الفكر كفرا ، وحب الوطن جنونا..
لقد برهن الحراك شبه
الجماعي للمجتمعات العربية منذ مطلع 2011على حاجتها الماسة للتغيير . وعلى أن
التغيير هو معبر تلك المجتمعات نحو حلم النهضة من جديد .. وبرغم الاجماع على
الغاية الا ان الوسائل لا تزال محل كثير من الاختلاف .. اختلاف يعمي الأبصار عن
رؤية الحقائق ، ويحول بينها وبين إدراك ما يجب أن يطرح اولا :
هل يمكن بناء نهضة بعيدا عن
نهج معقول وفي غياب عقل ناهض ؟؟
سؤال نحو تغيير المجتمع العربي
Popular Posts
-
يعكس مشروع مدينة نصر الكثير من التحولات التي شهدها المجتمع المصري منذ ثورة يوليو 1952 وحتى وقتنا هذا .. حيث مثلت في بدايتها الترجمة الحي...
-
المجتمع العربي .. إلى أين؟ هناك حالة من الارتباك والتخبط الفكري تسيطر على عالمنا العربي . وصل اليها مجتمعنا العربي نتيجة لسنوات طويل...
-
كيف نتعامل مع التراث ؟؟ سؤال يطرح نفسه دائما بصورة اشكالية في مجتمعنا العربي . و ترجع اشكالية السؤال والاجابة غالبا لاسباب عدة...
عرض كتاب رحلة القاهرة المحروسة من عصر الولاية إلى عصر الاستقلال الوطني
كانت وستظل القاهرة المحروسة، تاريخها وحاضرها، حكامها وشعبها، عمرانها وعمارتها، مجالا للبحث وللدراسة.. كتب عنها المؤرخين والرحالة والجغرافيي...








